السيد محمد تقي المدرسي
37
على طريق الحضارة
بذلك القرآن الكريم في قوله : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( النحل / 120 ) . ترى كيف ارتقى إلى هذا المقام العظيم وقد كان رجلًا بسيطاً جاء من أقصى الكوفة إلى عاصمة البابليّين ، وراح يتحدّى الحضارة الوثنية وطاغيتها نمرود ، فحمل الفأس لا يأبه بأحد ، ولا يخشى في الله لومة لائم ، ومضى يحطّم الأصنام ، ويحاجج قومه وطاغيتهم بحججه الدامغة ، ويسخر من عقولهم وأفكارهم وحضارتهم الجاهلية المشركة ، غير منخدع لعمارتهم وجنّاتهم التي شيّدوها في بابل حيث معقل حضارتهم . وعندما راح يسخر منهم ، ويستهزئ بأصنامهم كانت قوّته التي استند إليها ثقته بالله العظيم ، وتوكّله عليه ، على الرغم من أنهم هدّدوه بالإحراق ، ونفّذوا تهديداتهم له بالفعل ، إلّا أنّ كل ذلك لم يثن عزمه قيد أنملة ، ما دام ربُّ السماوات والأرض معتمده وملجأه . وكذلك كان الحال بالنسبة إلى النبي نوح عليه السّلام الذي ظلّ يدعو قومه إلى الإيمان ، ونبذ الشرك والوثنيّة ، وبقي على هذا المنوال أكثر من تسعمائة عام ، فلم تتعبه دعوته الطويلة المصحوبة بالمعاناة والأذى والتضييق والسخرية من قبل قومه ، ولم يصبه الملل والكلل لأنه كان متوكّلًا على ربّه ، يخرج إلى قومه ، يواجههم في الشوارع والأسواق ، ويدعوهم ويتحدّاهم أيضاً كما عبّر عن ذلك القرآن الكريم في قوله على لسانه : فَاجْمَعُوا أَمْرَكُم